عثمان بن جني ( ابن جني )
47
الخصائص
القديمة كما كانت قد استقرت عليه عبر تاريخها الطويل ، وهو الالتزام بقافية واحدة وبحر واحد ، يحدث بهما الشاعر إيقاعا صوتيا واحدا في القصيدة جميعا . والثاني : إبداعى ، يكشف فيه الشاعر عن قدراته الخاصة في إحداث أصوات بعينها تتكرر في كل بيت على حدة ، فتخلق في داخله " جناسا صوتيا " وتختلف من بيت إلى آخر ، فتخلق بين هذا البيت وغيره من أبيات القصيدة الأخرى وقوافيها ، ما يصح أن نسميه " طباقا صوتيا " ومعنى ذلك أن الشاعر القديم قد استطاع أن يقيم من هذا " التكرار الصوتي " كما يتجلى في موسيقى الأبيات والقوافي بناء موسيقيا متنوعا ، فلزم أن تكون أصوات الأبيات الشعرية في كل الأحوال من جنس أصوات القافية ، كما أنها تختلف من بيت إلى آخر - وهكذا مزج الشاعر في موسيقاه بين المخالفة والمماثلة اللتين تنبعان من أصل واحد هو ما أسميناه بالتكرار الصوتي . وقد حقق الشاعر القديم هذا التكرار الصوتي بوسائل عديدة ، نستطيع على أساس وصفى خالص أن نحصرها في أشكال ثلاثة أولها : تكرار حروف بعينها في كل بيت شعري على حدة ، بحيث يحدث تكرارها أصواتا ، وإيقاعات موسيقية معينة ، والثاني : تكرار كلمات بعينها يتخيرها الشاعر تخيرا موسيقيا خاصا ، لتؤدى الشعرية إلى توفير إيقاع موسيقى خاص بكل بيت على حدة ، ويتمثل الشكل الثالث لظاهرة التكرار الصوتي في توالى حركات تتفق أو تختلف مع حركة القافية والروى ، وقد كان الشاعر الجاهلي كثيرا ما يجمع بين شكل أو أكثر من أشكال هذا التكرار الصوتي في البيت الشعرى الواحد " 1 " . ويتناول د / إبراهيم عبد الرحمن شعر الأعشى تناولا يدل على وعيه بالعلاقة المتبادلة بين التشكيل الصوتي لبعض القصائد وبين المحتوى الشعرى ، فنراه يقول : قد اتضح لنا بمراجعة ديوان الأعشى أن عنايته قد انصرفت إلى صوت بعينه من أصوات اللين ، هو صوت ألف المد . . ومثل هذه العناية بهذا الصوت من شأنها أن تؤكد حرص الشاعر على تحقيق البطء الموسيقى في أشعاره ، فإن هذا الصوت . من أطول الأصوات في اللغة العربية . كما اتضح لنا أن قصائد الديوان التي جاءت قوافيها المطلقة مقرونة بحروف اللين قد غلب عليها أو قل خصصها الأعشى لموضوعين هما :
--> ( 1 ) قضايا الشعر ص 61 - 62 .